قد تكون محاطًا بالجميع، ومع ذلك تشعر أن لا أحد يصل إليك حقًا.
كنت أبحث عن موضوع أكتب عنه، حتى صادفتني عبارة لم أكن قد سمعتها من قبل: الوحدة الوجودية.
شدّني المصطلح لأنني وجدت جزءًا مني فيه كأنه يصف شعورًا مألوفًا لكن بلا اسم.
ذلك النوع من الوحدة الذي لا يرتبط بغياب الناس، بل يظهر أحيانًا في أكثر اللحظات ازدحامًا. تكون محاطًا بالأصدقاء والأحاديث والضحكات، ومع ذلك يسكنك شعور خفي بأن شيئًا ما لا يصل. مسافة غير مرئية بينك وبين كل من حولك.
ويُشار إلى هذا الشعور في علم النفس بـالوحدة الوجودية وهي ليست مجرد وحدة، بل شيء أعمق وأصعب تفسيرًا.
الوحدة الوجودية ليست غياب الناس.
هي شعور عميق بأن تجربتك الداخلية ومخاوفك، وعيك، وطريقتك في رؤية العالم غير قابلة للمشاركة الكاملة مع أي إنسان آخر مهما اقترب منك.
الطبيب النفسي ايرفن د يالوم، أستاذ الطب النفسي في جامعة ستانفورد وأحد أبرز علماء النفس الوجودي في القرن العشرين، تناول هذا المفهوم في كتابه العلاج النفسي الوجودي بوضوح مؤلم:
هناك هوّة لا يمكن ردمها بالكامل بين الذات والآخرين
هوّة تبقى قائمة حتى في أعمق العلاقات وأكثرها دفئًا.
ويرى يالوم أن هذه العزلة واحدة من أربع حقائق أساسية لا مفر منها يواجهها كل إنسان: الموت، والحرية، والعزلة الوجودية، واللامعنى.
بمعنى آخر: ليست المشكلة في غياب الناس، بل في أن وجودهم لا يبدد شعورك الأعمق بأنك وحدك في وعيك، وقراراتك، ومخاوفك، ونهايتك
حين لا تكون المشكلة في غياب الناس
الوحدة الاجتماعية تُحل. تتصل بصديق، تخرج، تنضم إلى مجموعة وتتحسن الأمور.
أما الوحدة الوجودية فلا تُحل بهذه الطريقة. قد تكون في أجمل سهرة في حياتك، ثم تعود إلى البيت وأنت تحمل إحساسًا غامضًا بأن شيئًا ما بقي بعيدًا، لم يُلمَس.
الأبحاث النفسية الحديثة ميّزت بين ثلاثة أنواع من الوحدة:
الاجتماعية: وهي نقص العلاقات أو ضعف الروابط الاجتماعية.
العاطفية: وهي غياب القرب العاطفي أو العلاقة الحميمة التي تمنح شعورًا بالأمان والانتماء.
الوجودية: وهي الإحساس بأن هناك جزءًا من ذاتك لا يمكن لأحد بلوغه بالكامل حتى من يحبونك.
فالنوعان الأولان يرتبطان غالبًا بغياب أو نقص نوع معين من العلاقات، أما الوجودية فتظل حتى حين تكون العلاقات جيدة ومُرضية، وهذا تحديدًا ما يجعلها أصعب في الفهم وأكثر إرباكًا لمن يعيشها.
وربما لهذا السبب، يظن كثيرون أنهم وحدهم في هذه التجربة.
هناك اعتقاد شائع أنها مشكلة تخص كبار السن أو من فقدوا من يحبون. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى غير ذلك.
دراسة نشرتها مجلة BMC Psychology عام ٢٠٢٣ شملت مشاركين من مختلف الأعمار، بدءًا من سن ١٦ عامًا، ووجدت أن الشعور بالوحدة الوجودية حاضر بقوة أيضًا لدى الأعمار الأصغر.
كما أكدت دراسة أخرى نُشرت عام ٢٠٢٤ في مجلة Current Psychology أن الدرجات الأعلى على مقاييس الوحدة الوجودية ارتبطت بالأعمار الأصغر، وليس كبار السن كما كان يُفترض.
وهناك لحظات تُشعل هذا الشعور أكثر من غيرها:
الانتقال بين مراحل الحياة
فقدان علاقة مهمة
أزمات الهوية
إذن، هل أنا مريض؟
لا. وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا.
لم يعتبر يالوم الوحدة الوجودية خللًا يجب إصلاحه، بل رآها جزءًا لا يمكن تجاوزه من تجربة الإنسان الواعي بذاته.
وكذلك رولو ماي أحد رواد علم النفس الوجودي، الذي رأى أن القلق الوجودي والشعور بالعزلة ليسا مرضًا، بل نتيجة طبيعية لكون الإنسان حرًا، واعيًا، ومسؤولًا عن اختياراته.
لكنها تصبح مشكلة حين تتحول إلى اكتئاب مزمن أو إحساس دائم باللامعنى. وعندها فإن فهمها وتسميتها هو أول خطوة للتعامل معها بدل الخوف منها.
ماذا تفعل حين تشعر بها؟
الهدف ليس التخلص منها تمامًا، لأن جزءًا منها مرتبط بطبيعة الوجود الإنساني. لكن يمكن تخفيف وطأتها.
يقول علم النفس الوجودي إن القبول هو البداية: حين تقبل أن الفهم الكامل بين البشر مستحيل، تتحرر من انتظاره. وتبدأ في تقدير الاتصال الجزئي، لأنه الممكن، وربما الكافي.
كما تساعد:
التعبير عن نفسك بأي شكل يناسبك
بناء معنى شخصي لا تقيسه بمعايير أحد
فيكتور، الطبيب النفسي ومؤلف كتاب الإنسان يبحث عن معنى، يقول:
“المعاناة تتوقف بطريقة ما عن كونها معاناة حين تجد معنى.”
لم يقل إن المعنى يُزيل الألم، بل إنه يحوّله إلى شيء يمكن العيش معه.
واخيرا،
ربما أكثر ما يجعل الوحدة الوجودية مؤلمة أنها لا تبدو منطقية.
كيف يشعر الإنسان بالوحدة وهو محاط بكل هذا الحضور؟
لكن الحقيقة أن كثرة الناس لا تعني القرب، كما أن الامتلاء الخارجي لا يضمن الامتلاء الداخلي.
ربما النضج لا يكمن في الهروب من هذا الشعور، بل في فهمه:
أننا لن نُفهم بالكامل أبدًا ومع ذلك لا يزال بإمكاننا أن نجد روابط حقيقية، ومعنى حقيقيًا.


مقاله جدا جميلة و سرد أجمل
بس عندي نقطتين حابه أفهمها
"بناء معنى شخصي لا تقيسه بمعايير أحد"
هل معناها أبني قيمه او أرسخ قيمه موجودة عندي ياليت توضح
وهل في إرتباط الوحدة الوجودية بالإنفصال عن الذات
طرحك لمفهوم الوحدة الوجودية كان لافتًا، خاصةً وصفك لحالة الاستمتاع المؤقت مع الآخرين دون أن ينعكس ذلك على الشعور الداخلي.
شكرًا لك على وضوح الفكرة وتسلسلها، كان المقال سلسًا ومقنعًا.