كيف حالك ؟
سؤال بسيط نسمعه كثيرًا، ونجيب عنه غالبًا دون تفكير، لكن هناك أيامًا يبدو فيها هذا السؤال أكثر تعقيدًا مما ينبغي.
قد لا يكون هناك حدث واضح يفسر ما نشعر به، ولا مشكلة محددة نستطيع الإشارة إليها، ومع ذلك يبقى هناك شيء مختلف في الداخل. ثقل لا نعرف مصدره، أو شعور يصعب وصفه
وحين نحاول أن نصف ما يحدث، نجد أنفسنا نقول لا أعلم.
نحن نعرف أن هناك شيئًا ما، لكننا لا نعرف اسمه
ربما مررت بهذا من قبل. أوقات تعرف فيها أن هناك شيئًا ما بداخلك، تحس به بوضوح، لكن حين تحاول أن تضع له اسمًا لا تجد الكلمة المناسبة. لا تكون المشكلة أنك لا تشعر، بل أنك لا تعرف كيف تشرح ما تشعر به.
ومن هنا ظهر السؤال: لماذا يكون من السهل أحيانًا أن نشعر، لكن من الصعب أن نسمي هذا الشعور؟
هل لأننا لا ننتبه لمشاعرنا بما يكفي، أم لأن التجارب العاطفية نفسها أكثر تعقيدًا من أن تختصر بكلمة واحدة؟
ما هي تسمية المشاعر؟
تسمية المشاعر (Affect Labeling) هي عملية تحويل التجربة العاطفية إلى كلمات. أي أن ننتقل من احساس غير واضح إلى وصف أكثر تحديدًا.
بدلًا من أن نقول “أنا أشعر بالسوء”، نقترب أكثر من التجربة ونقول: “أنا قلق”، “أنا محبط”، “أنا أشعر بخيبة أمل”، أو “أنا أشعر بالوحدة”.
قد يبدو الأمر مجرد اختيار كلمات، لكنه في الحقيقة يرتبط بالطريقة التي يفهم بها الإنسان تجربته الداخلية.
فالمشاعر عندما تبقى بلا اسم قد تبدو أكبر وأكثر غموضًا، أما عندما نمنحها وصفًا واضحًا فإننا نبدأ بفهمها بدل أن نبقى فقط تحت تأثيرها.
عندما نضع المشاعر في كلمات
لماذا قد يساعدنا التعبير عن الشعور؟
وجدت الأبحاث أن تسمية المشاعر لا تعمل فقط كطريقة للتواصل مع الآخرين، بل قد تكون وسيلة لتنظيم الانفعال أيضًا.
ويشير الباحثان توري وليبرمان إلى أن تسمية المشاعر قد تعمل كنوع من تنظيم الانفعال الضمني أي أنها قد تؤثر في تجربتنا العاطفية دون أن تكون دائمًا عملية واعية نقوم بها بهدف تهدئة أنفسنا، كما يحدث في استراتيجيات أخرى مثل إعادة التقييم المعرفي
في دراسة لـ ليبرمان وزملائه استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لمعرفة ما يحدث في الدماغ عندما يضع الإنسان مشاعره في كلمات.
عند قيام المشاركين بتسمية مشاعرهم أثناء مشاهدة صور عاطفية سلبية، ظهر انخفاض في نشاط اللوزة الدماغية، وهي منطقة تشارك في معالجة الاستجابات الانفعالية المرتبطة بالتهديد والمواقف المزعجة.
في المقابل، ازداد نشاط منطقة في القشرة الجبهية مرتبطة بالمعالجة المعرفية، مما يشير إلى أن تسمية الشعور قد تنقلنا من حالة الاستجابة التلقائية إلى محاولة فهم ما يحدث.
وكأن تحويل الشعور إلى كلمات يمنح الدماغ فرصة لمعالجة التجربة بطريقة أكثر تنظيمًا بدلًا من البقاء في استجابة انفعالية مباشرة.
هل فهم الشعور يعني اختفاءه؟
ليس بالضرورة.
أن تقول “أنا أشعر بالقلق” لا يعني أن القلق سيختفي فورًا، وأن تعرف أنك حزين لا يعني أن الحزن سينتهي مباشرة. لكن هناك فرق بين أن تحمل شعورًا غامضًا لا تعرف مصدره، وبين أن تعرف ما الذي يحدث بداخلك.
فالفهم لا يلغي التجربة، لكنه يجعلها أوضح.
وأحيانًا يكون الجزء الأكثر إرهاقًا ليس الشعور نفسه، بل محاولة التعامل مع شيء لا نعرف كيف نصفه.
وربما لهذا السبب كان هذا الموضوع قريبًا مني بشكل خاص. فالفكرة لم تكن مجرد معرفة مفهوم نفسي جديد، بل محاولة فهم تجربة مررت بها مثل كثير من الأشخاص؛ أن أشعر بشيء ما دون أن أملك القدرة على شرحه مباشرة.
هل نحتاج إلى الانتظار حتى نهدأ؟
هناك فكرة شائعة تقول إن علينا الانتظار حتى تهدأ مشاعرنا تمامًا قبل أن نحاول فهمها أو التعبير عنها.
لكن الأبحاث تقدم صورة مختلفة.
في دراسة لـ ليفي جيجي وشماي تسوري، وجد الباحثون أن تسمية المشاعر يمكن أن تقلل الضيق سواء حدثت أثناء الموقف المزعج أو بعده مباشرة أو بعد فترة قصيرة.
لكن الباحثين وجدوا أيضًا أن تأثيرها يعتمد على شدة الشعور.
عندما تكون المشاعر قوية، قد تساعد التسمية على تخفيف حدتها. أما عندما تكون المشاعر خفيفة، فقد تجعلنا أكثر انتباهًا لها.
وهذا يوضح أن الوعي بالمشاعر ليس دائمًا تجربة واحدة، فطريقة تعاملنا مع الشعور قد تؤثر في الطريقة التي نعيشه بها.
ليست المشكلة دائمًا في الشعور، بل في دقة فهمه
هناك فرق بين أن نقول: “أنا متضايق”، وبين أن نعرف ما وراء هذا الضيق.
فكلمة واحدة قد تخفي خلفها مشاعر مختلفة:
قد يكون الشخص حزينًا، أو خائفًا، أو يشعر بالرفض، أو يشعر بالإرهاق.
ولهذا ظهر مفهوم الدقة العاطفية (Emotional Granularity)، وهو قدرة الإنسان على التمييز بين المشاعر المختلفة بدل وضعها جميعًا تحت وصف عام واحد.
فكلما كانت كلماتنا أكثر دقة، أصبح فهمنا لتجاربنا الداخلية أكثر وضوحًا.
فالشخص الذي يستطيع أن يقول: “أنا أشعر بخيبة أمل لأنني كنت أتوقع شيئًا مختلفًا” يملك فهمًا مختلفًا عن شخص لا يجد سوى كلمة “سيء”
الفرق ليس في الكلمات فقط، بل في القدرة على معرفة ما الذي يحدث بداخلنا فعلًا.
عندما تصبح الكلمات صعبة
بعض الأشخاص لا يواجهون فقط صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، بل يجدون صعوبة في تحديدها من الأساس.
وهذا يرتبط بمفهوم الألكسيثيميا (Alexithymia)، وهي صعوبة في التعرف على المشاعر ووصفها.
لا يعني ذلك غياب المشاعر، بل وجود فجوة بين الإحساس الداخلي والقدرة على تحويله إلى كلمات.
وقد يواجه الشخص صعوبة في التمييز بين ما يشعر به وما يظهر عليه من أعراض، فقد يتحول الشعور إلى توتر جسدي، أو انشغال مستمر، أو إحساس عام بعدم الراحة دون معرفة السبب الحقيقي وراءه.
ولهذا ترتبط صعوبة تحديد المشاعر أحيانًا بصعوبة التعامل معها، لأن الإنسان يحتاج أولًا إلى معرفة وفهم ما يمر به حتى يستطيع فهم احتياجه أو البحث عن طريقة مناسبة للتعامل معه.
عندما نفهم الشعور بدل أن نحاربه
بعد أن نلاحظ صعوبة تسمية المشاعر، قد يظهر سؤال آخر: هل الهدف دائمًا هو التخلص منها؟
ربما لا.
فنحن غالبًا نتعامل مع المشاعر وكأنها مشكلة يجب إصلاحها بسرعة، لكن بعض المشاعر لا تحتاج إلى الإلغاء بقدر ما تحتاج إلى الفهم.
فالسؤال الأول قد لا يكون: كيف أتخلص من هذا الشعور؟
بل: ماذا أشعر بالضبط؟
لأن المشاعر لا تحتاج دائمًا إلى أن تختفي حتى نفهمها. أحيانًا تحتاج فقط إلى أن نمنحها انتباه و إسم .
ربما لا تكمن أهمية تسمية المشاعر في تغيير ما نشعر به فورًا، بل في أنها تمنحنا فرصة لرؤية التجربة بوضوح أكبر. فحين نفهم ما يحدث بداخلنا، يصبح لدينا مجال أكبر لاختيار طريقة التعامل معه بدل أن نبقى عالقين في الإحساس نفسه.
وربما تكون أول خطوة لفهم أنفسنا ليست البحث عن طريقة لإسكات ما نشعر به، بل أن نسأل أنفسنا :
ما الشعور الذي أحاول فهمه الآن؟


حبيت المقال جدا وعن واقع تجربتي لما افهم مشاعري ارتاح واقدر افتش عن الحلول والاسباب وفي حالة انها تكررت اقدر افهمها بسرعة واتجنبها واكمل يومي بهدوء على عكس عندما اكون مشوشة ولا افهم مشاعري يزداد الوضع سوءا وتشويشا والمقال كان قصير وااضح سلمت اناملك
من أجمل المفارقات أن الإنسان قد يعيش الشعور أولاً ثم يفهمه لاحقاً ثم يسميه بعد ذلك بسنوات فالإحساس يسبق اللغة غالباً واللغة لا تفعل سوى أنها تلحق به محاولةً الإمساك بما حدث في الداخل