كتبت هذا من تجربة شخصية مرتبطة بمحاولة فهم أثر الطفولة على الحاضر، وكيف يمكن للتجارب المبكرة أن تترك امتدادًا نفسيًا يظهر بشكل غير مباشر في مراحل الحياة اللاحقة.
هناك تجارب لا تبقى في الماضي كما هي، بل تمتد آثارها بشكل غير مباشر إلى طريقة تعامل الإنسان مع نفسه ومع الآخرين. قد لا نلاحظها بشكل يومي، لكنها تظهر في مواقف بسيطة: كتوتر مفاجئ، أو خوف من الرفض، أو شعور داخلي بأن علينا أن نكون أفضل لنحظى بالقبول
في مرحلة من حياتي، كنت أجد صعوبة في الاعتراف بتجربة التنمر التي مررت بها في طفولتي. ليس لأنني لم أكن أعيها بل لأن الحديث عنها كان يعيدني إلى ذلك العمر الصغير، وكأن الذاكرة لا تُستدعى كقصة انتهت، بل كإحساس يعود للحظة.
في ذلك الوقت، لم أكن أفهم ما يحدث، فكان أسهل تفسير لطفلة صغيرة هو لوم الذات، وهو ما يُفسَّر جزئيًا بميل التفكير في تلك المرحلة إلى التمركز حول الذات. لم أكن أملك حينها القدرة على فهم الصورة كاملة، لذلك بدا لي الأمر وكأنه يرتبط بي أنا. أما اليوم، فأدرك أن التجربة أثّرت في طريقة رؤيتي لنفسي واستجاباتي، لكنها لم تكن يومًا حكمًا على قيمتي
الطفل الداخلي: كيف تُفهم التجارب المبكرة في علم النفس
في علم النفس، يُستخدم مفهوم الطفل الداخلي كإطار يشرح كيف تستمر التجارب المبكرة في التأثير على مشاعر الإنسان وسلوكياته في مرحلة البلوغ.
هو ليس تشخيصًا، بل مفهوم علاجي يُستخدم في مدارس مثل Schema Therapy وIFS.
وفق نظرية العلاقات الموضوعية عمومًا في علم النفس الديناميكي، كما طُورت عبر أعمال ميلاني كلاين وفيربيرن، لاحقًا وينيكوت، فإن الطفل لا يخزن الحدث كذكرى فقط، بل يبني من خلاله تمثيلات داخلية عن الذات والعالم: الأمان، القبول، وطريقة التعامل مع الآخرين.
لماذا يميل الطفل إلى لوم نفسه؟
في مرحلة ما قبل العمليات عند جان بياجيه، يميل الطفل إلى تفسير الأحداث من خلال نفسه (تمركز حول الذات)، ما يجعل أي تجربة سلبية تُفهم أحيانًا بشكل شخصي.
هذا النمط يمنح الطفل شعورًا بالتحكم: إذا كان السبب مني، يمكنني تغييره. لكنه قد يتحول لاحقًا إلى طريقة تفكير ثابتة حتى بعد انتهاء التجربة.
الدماغ والذاكرة العاطفية
التجارب لا تُخزَّن كذكريات فقط، بل كاستجابات شعورية مرتبطة بها، وتتأثر هذه الاستجابات بعمليات عصبية معقدة تشمل التعلم والتكرار والسياق العاطفي.
وهنا يأتي مفهوم:
المرونة العصبية (Neuroplasticity)
وهي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل شبكاته العصبية، لكن هذا التغيير لا يحدث بشكل فوري أو تلقائي، بل عبر تكرار الخبرات الجديدة، ووجود تجارب تصحيحية، وأحيانًا تدخلات علاجية تساعد على تثبيت أنماط استجابة مختلفة.
تجربتي مع التحدث أمام الآخرين
في سنوات الجامعة، لم يكن التحدث أمام الآخرين مجرد توتر بسيط، بل كان يرتبط أحيانًا بتجنب مباشر للموقف نفسه. كنت أحيانًا لا أحضر أيام التقديم أصلًا، أو أستبدلها بمشاريع أخرى لا تتطلب الوقوف امام الاخرين. وهناك أوقات أخرى كنت أحضر وأنا مستعدة، لكن عندما يحين دوري للتقديم يغلبني التوتر في اللحظة فأتراجع. وكان لهذا النمط أثر مباشر على التقييمات الأكاديمية في تلك الفترة.
من منظور علم النفس، يُفهم هذا السلوك على أنه تجنب سلوكي وهو استجابة شائعة في حالات القلق المرتبط بالأداء أو التقييم. الفكرة أن الدماغ عند ارتفاع مستوى القلق يحاول تخفيفه بشكل فوري عبر تجنب الموقف، مما يعطي راحة مؤقتة، لكنه في الوقت نفسه يمنع اكتساب خبرة جديدة تُعدّل الاستجابة مع الوقت.
ومع التجربة التدريجية، بدأ هذا النمط يتغير. لم يعد التقديم شيئًا يُتجنب دائمًا، بل أصبح موقفًا يمكن المرور به رغم وجود التوتر. وفي آخر سنة من الجامعة، حدث تحول واضح عندما قدمت عرضًا أمام الآخرين رغم القلق.
لم يكن الأمر خاليًا من التوتر، لكنه كان انتقالًا من التجنب إلى المواجهة، وهو ما يتوافق مع مفهوم التعلم القائم على الخبرة التصحيحية (Corrective Experience).
كيف يتغير الفهم؟
الماضي لا يتغير، لكن المعنى الذي نحمله عنه يتغير.
مع مرور الوقت، أصبح واضحًا التمييز بين ما كان يحدث لطفلة صغيرة لا تملك أدوات الفهم الكافية، وبين الحاضر، وبين السلوكيات التي لم تكن تعكس القيمة الشخصية.
هذا التغير في المعنى يُعرف في علم النفس المعرفي بـ إعادة التقييم المعرفي، كما وصفه جيمس جروس وهو أحد أهم آليات تنظيم الانفعال
عندما أعود اليوم لتلك الطفلة، لا أراها كنسخة منفصلة، بل كمرحلة كنت أحاول فيها فهم العالم بما أملك من قدرة وقتها.
ما حدث لم يعد يُفهم كتعريف لي، بل كتجربة ساهمت في تشكيل طريقة إدراكي لنفسي وللآخرين. ومع الوقت، تغيّر المعنى الذي أحمله عنها.
هذا الفهم لم يُلغِ الأثر بالكامل، لكنه جعله أخف وأكثر قابلية للتعامل معه. لم يعد يحددني، بل أصبح جزءًا من تجربة أوسع في فهم الذات. فما يتغير فعلًا ليس الماضي، بل علاقتنا به.
في النهاية، يُعد الوعي في التعامل مع الأطفال والمراهقين مسؤولية كبيرة؛ فالكلمة والموقف وطريقة الاستجابة في المراحل المبكرة قد تساهم في تشكيل البناء النفسي للشخصية. والدعم والفهم والاحتواء ليست تفاصيل بسيطة، بل أساس في بناء شخصية أكثر أمانًا واتزانًا. لذلك من المهم الانتباه لطريقة تعاملنا مع من هم حولنا، فالأثر قد يبقى معهم حتى لو لم ننتبه له في لحظته.

