قبل سنوات، كانت رسالة واحدة من رقم مجهول او تأخر شخص عزيز في الرد، كفيلة بأن تبقيك مستيقظًا حتى الفجر، تتخيل اسوء الاحتمالات وتبني سيناريوهات لا تنتهي في رأسك.
واليوم الموقف نفسه يمر ولا يحدث شيء. لا ذلك القلق المعتاد، ولا الساعات الطويلة التي تقضيها في البحث عن اجابة لكل احتمال. وكأن اخيرًا لم يعد يؤثر.
لكن هل توقف التهديد فعلًا، ام ان شيئًا بداخلك تعلم فقط التعايش معه، حتى لم يعد يثير فيك الخوف والقلق كما كان من قبل؟
فالفرق بين الاثنين ليس تفصيلًا بسيطًا. فقد يكون هذا الهدوء علامة على ان الانسان اصبح اكثر قدرة على التعامل مع الخوف، وقد يكون احيانًا نتيجة اعتياد طويل على ضغط لم يمنح الوقت الكافي للتعافي منه.
وهذا بالضبط ما يحاول العلم فهمه: كيف يتعامل الدماغ مع الخوف المتكرر؟ وهل يكون اعتيادنا على القلق علامة على التعافي، أم مجرد طريقة أخرى للتكيف مع شيء اصبح مألوفًا؟
عندما يتعلم الدماغ ان لا يخاف
من الخصائص المذهلة في الدماغ انه لا يستجيب بالطريقة نفسها لكل شيء يتكرر امامه. فمع التعرض المتكرر للمثير نفسه، تبدأ الاستجابة الانفعالية بالانخفاض تدريجيًا، وهي ظاهرة يعرفها علماء النفس باسم التعود الانفعالي (Habituation)
تخيل انك انتقلت الى منزل بجانب طريق مزدحم. في الايام الاولى قد يمنعك صوت السيارات من النوم، لكن بعد اسابيع ستتفاجىء بأنك بالكاد تلاحظه. لم يختفِ الصوت، بل تغيرت استجابة دماغك له.
الامر نفسه قد يحدث مع بعض مصادر القلق والخوف. ولهذا السبب يعتمد احد اكثر الاساليب العلاجية فاعلية لاضطرابات القلق على هذا المبدأ. ففي عام 1986 قدم العالمان ادنا فوا ومايكل كوزاك نظرية المعالجة الانفعالية، والتي اصبحت أساسًا لعلاج التعرض.
الفكرة بسيطة، لكنها عميقة.
عندما يتجنب الانسان كل ما يخيفه، يظل دماغه مقتنعًا بأن الخطر حقيقي. اما عندما يواجه هذا الخوف بطريقة آمنة ومتكررة، يبدأ الدماغ بتسجيل معلومات جديدة؛ يكتشف ان الكارثة التي كان يتوقعها لا تحدث، او انها اقل سوءًا مما تخيل.
ولتوضيح الفكرة، ذكر لي والدي موقفًا حدث مع احد زملائه عندما كان يدرس مقررًا في علم النفس. وخلال درس التعود، شارك احد الطلاب بأنه يعاني من خوف شديد من الافاعي، حتى انه كان يشعر بالحرج امام ابنه اذا صادف صورة افعى في الكتاب أثناء مساعدته في الدراسة.
اخبره الدكتور بأن يواجه خوفه تدريجيًا بدلًا من تجنبه، فبدأ بمشاهدة الصور ثم التعرض للمواقف المرتبطة بها. وبعد فترة، عاد وهو يحمل صورة لأفعى في جيبه، ليخبر الدكتور بأنه تغلب على خوف لازمه سنوات.
هذا المثال يجسد الفكرة التي تقوم عليها علاجات التعرض: ليس الهدف أن يصبح الشخص أشجع فجأة، بل ان يُمنح الدماغ فرصة لإعادة تفسير ما كان يراه تهديدًا.
لكن أشارت دراسات لاحقة تناولت رهاب المرتفعات الى أن انخفاض الخوف أثناء جلسات التعرض لا يتنبأ دائمًا بنجاح العلاج على المدى الطويل. ولهذا، اتجهت بعض النماذج الحديثة الى التركيز على ما يتعلمه الشخص من التجربة أكثر من تركيزها على مقدار انخفاض الخوف نفسه.
ليس كل اعتياد يعني تعافيًا
لو توقفت القصة هنا، لكان الأمر مطمئنًا. لكن المشكلة أن الدماغ قد يعتاد على الضغط في مواقف لا ينبغي أصلًا ان تصبح طبيعية.
قد يعتاد الإنسان على القلق المستمر بسبب العمل، او على التوتر داخل المنزل، او على الشعور الدائم بأنه يجب ان يكون مستعدًا للاسوء.
بعد فترة، قد يلاحظ ان قلبه لم يعد يخفق كما كان سابقًا، وان المواقف التي كانت تستنزفه أصبحت تمر دون رد فعل واضح. فيظن أنه أصبح بخير.
لكن ماذا لو كان جسده لا يوافقه الرأي؟
عندما يدفع الجسد ثمن ما اعتاده العقل
في أوائل التسعينيات، طرح عالم الاعصاب بروس ماك ايون مع اليوت ستيلر مفهومًا اصبح من اكثر المفاهيم تأثيرًا في علم النفس الصحي، وهو الحِمل الخيفي (Allostatic Load).
يشير هذا المفهوم الى الثمن الذي يدفعه الجسم عندما يضطر الى التكيف مع الضغوط مرة بعد اخرى.
فكلما واجه الانسان موقفًا ضاغطًا، يعمل الجسم كما ينبغي، يفرز هرمونات التوتر ويرفع معدل نبضات القلب، ويعيد توزيع الطاقة ليستطيع التعامل مع التهديد، هذه الاستجابة مفيدة عندما تكون مؤقتة.
لكن عندما تتحول الضغوط الى جزء من الحياة اليومية، يصبح الجسم وكأنه يعمل لساعات اضافية دون ان يحصل على فرصة كافية للراحة. ومع مرور الوقت، لا يختفي اثر هذا الجهد بل يتراكم.
وهذا ما يسمى بالحمل الخيفي؛ وهو العبء البيولوجي الناتج عن التكيف المستمر مع الضغوط النفسية والجسدية. بمعنى آخر، قد يتوقف عقلك عن الانزعاج بينما يواصل جسدك دفع الفاتورة.
ولهذا، فإن الشعور بأنك “اعتدت” الضغط لا يعني بالضرورة ان الضغط لم يعد يؤثر فيك. قد تكون ببساطة توقفت عن ملاحظة الإنذار، بينما ما زالت أجهزة جسمك تعمل بأقصى طاقتها.
لماذا لا يعتاد الجميع بالطريقة نفسها؟
قد يبدو التعود شيئًا يحدث تلقائيًا لدى الجميع، لكنه في الحقيقة يختلف من شخص الى آخر.
ففي مراجعة علمية نشرها غريسوم و بهاتناغار عام 2009، وجد الباحثان ان الجسم غالبًا ما يُظهر انخفاضًا في استجابته الهرمونية مع تكرار الضغوط، وهو ما يشبه التعود المعروف في علم النفس، لكنه لا يحقق جميع خصائص التعود الكلاسيكي.
بل ان غياب التعود الطبيعي قد يكون علامة مقلقة.
فالأشخاص الذين يستمر جسمهم في الاستجابة لكل ضغط كما لو كان الاول، قد يكونون اكثر عرضة للإرهاق النفسي والجسدي.
وفي المقابل، فإن الاستجابة الخافتة جدًا او المنطفئة تمامًا ليست علامة مثالية ايضا، لأنها قد تعكس ان اجهزة الجسم لم تعد تستجيب بالكفاءة المطلوبة. لذلك، لا يرى العلماء ان الافضل هو ان يبقى الجسم في حالة تأهب دائم، ولا ان يفقد قدرته على الاستجابة، بل ان يمتلك استجابة متوازنة، فالهدف ليس ان نتوقف عن الشعور، بل ان يستجيب الجسم عندما يحتاج، ويهدأ عندما ينتهي الخطر.
هل يمكن ان يكون التعود عامل حماية؟
المثير للاهتمام ان الابحاث الحديثة لا تنظر الى التعود باعتباره عدوًا دائمًا.
فقد اشارت دراسة نشرت عام 2025 الى ان الاشخاص الذين يتعودون بسرعة اكبر على المثيرات اليومية غير السارة كانوا اقل عرضة لارتفاع مستويات القلق مع تراكم ضغوط الحياة.
وهذا لا يعني انهم لا يشعرون بالمشاعر السلبية. بل يعني ان جهازهم العصبي لا يعامل كل موقف مزعج كما لو كان تهديدًا للحياة. فالمرونة النفسية ليست غياب المشاعر، وإنما القدرة على العودة الى حالة الهدوء بعد انتهاء الموقف.
لكن حتى هذا النوع الصحي من التعود لا يلغي حقيقة مهمة.
ان الانسان ليس دماغًا فقط، بل جسد أيضًا.
الاعتياد لا يعني ان نهمل انفسنا
ربما اكبر خطأ قد نقع فيه هو ان نعتبر قدرتنا على التحمل دليلًا على اننا بخير. فأحيانًا لا يكون الهدوء الذي نشعر به دليلًا على اختفاء الضغط، بل دليلًا على ان اجسامنا اعتادت حمله.
ولهذا فإن الاهتمام بالذات ليس رفاهية، وليس شيئًا نفعله فقط عندما نصل الى مرحلة الانهيار.
النوم الكافي، والحركة، والعلاقات الداعمة، وأخذ فترات للراحة، وطلب المساعدة عند الحاجة، ليست مجرد نصائح عامة بل وسائل تساعد الجسم والعقل على استعادة التوازن وتقليل آثار الضغط المزمن.
اذًا، نعم، يمكن للانسان ان يعتاد الخوف والضغط النفسي.
الدماغ يملك قدرة مذهلة على التكيف، وقد يتعلم مع الوقت ان يخفض استجابته للمواقف التي كانت تثير القلق سابقًا.
لكن الاعتياد ليس دائمًا علامة على التعافي. ففي بعض الأحيان يكون التعود دليلًا على أن الدماغ تعلم ان الخطر لم يعد موجودًا، وهذه علامة صحية.
وفي أحيان أخرى، يكون مجرد تكيف مع ضغط مستمر، بينما يستمر الجسد في تحمل آثاره بصمت.
هدفنا ليس أن نصبح أشخاصًا لا يشعرون، بل أن نمتلك جهازًا عصبيًا يعرف متى يحذر، ومتى يهدأ.
ان نشعر دون ان تغرقنا المشاعر، وان نتحمل دون ان نستهلك انفسنا.

