حين يفقد الإنسان إيمانه بأثر أفعاله
كم مرة رأيت شخصًا ينسحب من شيء قبل أن يبدأه أصلًا؟
لا يتقدّم لوظيفة، لا يطلب ما يحتاجه، لا يدافع عن نفسه، أو يتراجع عن فرصة كان يتمناها
ليس لأنه لا يريد، بل لأنه مقتنع مسبقًا أن المحاولة لن تغيّر شيئًا.
من الخارج، قد يبدو الأمر كأنه استسلام أو ضعف أو حتى كسل.
لكن في كثير من الأحيان، يكون ما نراه أعمق من ذلك بكثير.
أحيانًا، لا يتوقف الإنسان عن المحاولة لأنه غير قادر، بل لأنه تعلّم ببطء، ومن خلال تجارب متكررة، أن جهده لا يصنع فرقًا.
أن يتحدث أو يصمت، يحاول أو ينسحب، يطلب أو يتراجع… النتيجة واحدة.
ومع الوقت، لا يفقد الإنسان الفرص فقط، بل يفقد شيئًا أكثر حساسية:
إيمانه بأن لأفعاله أثرًا.
في علم النفس، يُعرف هذا النمط باسم العجز المتعلم، وهو مفهوم يشير إلى حالة يتعرّض فيها الفرد مرارًا لمواقف ضاغطة أو مؤلمة لا يستطيع التحكم بها، فيبدأ تدريجيًا بالاعتقاد أن محاولاته بلا جدوى، حتى عندما تصبح لديه لاحقًا فرصة حقيقية للتغيير.
هذا المفهوم لا يتحدث فقط عن الفشل، بل عن ما يحدث بعد الفشل المتكرر.
عن اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان خائفًا من المحاولة فقط، بل مقتنعًا أن المحاولة نفسها عديمة المعنى.
كيف بدأ مفهوم العجز المتعلم
ظهر مفهوم العجز المتعلم لأول مرة من خلال أبحاث عالم النفس مارتن سيليغمان وزميله ستيفن ماير عام ١٩٦٧.
في تجربتهم الشهيرة، تعرّضت بعض الكلاب لصدمات كهربائية متكررة، وكان لدى بعضها القدرة على إيقاف الصدمة أو الهروب منها، بينما لم يكن لدى مجموعة أخرى أي وسيلة للتحكم أو النجاة.
لاحقًا، عندما وُضعت جميع الكلاب في موقف جديد أصبح فيه الهروب ممكنًا بسهولة، لوحظ أن الكلاب التي سبق أن تعرّضت لمواقف غير قابلة للتحكم لم تحاول الهروب أصلًا. لم تكن عاجزة جسديًا، لكنها تصرفت وكأن لا جدوى من المحاولة (Seligman & Maier, 1967).
بمعنى آخر:
هي لم تتعلم الألم فقط، بل تعلّمت أن أفعالها غير مؤثرة.
ومن هنا بدأ فهم كيف يمكن للتجارب المتكررة أن تغيّر ليس فقط سلوك الإنسان، بل توقعاته تجاه الحياة.
لماذا يستسلم بعض الأشخاص مبكرًا؟
غالبًا، لا يبدأ الأمر فجأة.
بل يتشكّل تدريجيًا بعد سلسلة من الخبرات التي تُرسل الرسالة نفسها مرارًا:
حاولت، ولم يتغيّر شيء.
تكلمت، ولم يسمعني أحد.
طلبت، فقوبلت بالرفض.
اجتهدت، ولم أحصل على نتيجة.
في البداية، يحاول الإنسان مرة وأخرى.
لكن بعد عدد كافٍ من التجارب التي يبدو فيها الجهد منفصلًا عن النتيجة، يبدأ الدماغ ببناء استنتاج داخلي خطير:
“مهما فعلت، لن يتغيّر شيء.”
وهنا يبدأ الانسحاب.
ليس لأن الشخص لا يريد النجاح، بل لأنه لم يعد يتوقع أن جهده قادر على صناعته.
كيف يبدو العجز المتعلَّم في الحياة اليومية؟
تخيّل شخصًا نشأ في بيئة لا يُؤخذ فيها رأيه بجدية.
كلما عبّر عن انزعاجه، قيل له إنه يبالغ.
كلما طلب شيئًا، قوبل بالتأجيل أو الرفض.
وكلما حاول شرح مشاعره، انتهى الأمر بسوء فهم أو لوم.
في البداية، كان يحاول كثيرًا. يتحدث، يشرح، يطلب، يعترض، لكن مع الوقت، بدأ يختصر كل ذلك.
يتراجع عن طلباته قبل أن ينطق بها.
ويفضّل الصمت، ليس لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه تعلّم أن قوله لن يغيّر شيئًا.
بعد سنوات، قد يدخل هذا الشخص علاقة صحية نسبيًا، مع شخص مستعد للاستماع فعلًا. لكن المفارقة أنه قد يجد صعوبة حقيقية في التعبير حتى مع مرور الوقت.
ليس لأن الفرصة غير موجودة، بل لأن جهازه النفسي ما زال يعمل وفق قاعدة قديمة:
“التعبير لا يصنع فرقًا.”
وهنا يظهر العجز المتعلَّم بأوضح صوره.
المشكلة لم تعد في الواقع الحالي فقط، بل في التوقعات التي بناها الماضي داخله.
الطفولة والعجز المتعلَّم
في كثير من الحالات، لا يبدأ العجز المتعلَّم في الرشد، بل في الطفولة.
فالطفل يتعلّم فهم العالم من خلال علاقة بسيطة جدًا:
أفعل شيئًا ← يحدث شيء
هذه التجارب الصغيرة تبني لدى الطفل شعورًا أساسيًا:
أنا قادر على التأثير.
لكن عندما ينشأ الطفل في بيئات غير متوقعة أو قاسية أو متجاهلة، قد يتعلم شيئًا مختلفًا.
مثلًا:
إذا عبّر عن احتياجه وقوبل بالتجاهل
إذا اجتهد وتعرّض للنقد مهما فعل
إذا عاش في بيئة متقلّبة لا يمكن توقع ردود أفعالها
فهو قد يبدأ بتعلّم أن أفعاله غير مرتبطة بما يحدث حوله، فيكبر وهو يحمل هذا الاعتقاد بصمت.
ليس بالضرورة أنه يرى نفسه غير كفء، بل يرى أن الكفاءة وحدها لا تكفي.
وهذا ما يجعل بعض الأشخاص يبدون قادرين جدًا، لكنهم مترددون، متراجعون، أو ينسحبون سريعًا من المحاولة
(Maier & Seligman, 2016).
العلاقة بين العجز المتعلَّم والاكتئاب
ارتبط العجز المتعلَّم بشكل وثيق بالاكتئاب، لأن كليهما يشتركان في عناصر متشابهة، مثل:
انخفاض الدافعية
الشعور باليأس
ضعف المبادرة
توقّع نتائج سلبية مستقبلية
فحين يقتنع الإنسان أن أفعاله لا تؤثر، يبدأ تدريجيًا بفقدان الرغبة في المبادرة أصلًا.
وليس غريبًا أن يظهر داخله حوار مثل:
“ما الفائدة؟ لن يتغير شيء، فالأمر محسوم مسبقًا.”
ومع الوقت، قد يتحول الأمر إلى انسحاب نفسي وعاطفي حقيقي. وكأن الإنسان لا يتوقف فقط عن المحاولة، بل عن توقع إمكانية التحسّن أصلًا
هل يمكن تجاوز العجز المتعلَّم؟
تجاوز العجز المتعلَّم لا يبدأ عادةً من قفزات كبيرة.
الشخص الذي تعلّم عبر سنوات أن أفعاله غير مؤثرة، لا يستعيد شعوره بالقدرة فجأة لمجرد قراءة نص محفّز أو اتخاذ قرار حاسم. لأن ما تضرر هنا ليس الحماس فقط، بل العلاقة بين الفعل والنتيجة.
ولهذا، غالبًا ما يبدأ التعافي من مستوى أصغر بكثير مما نتوقع.
قد يبدأ من أشياء تبدو بسيطة جدًا، مثل
أن يعبّر الإنسان عن تفضيل صغير، ويلاحظ أنه أُخذ بعين الاعتبار
أن ينجز مهمة مؤجلة، ويرى أثرًا مباشرًا لفعله
أن يطلب مساعدة، ويتلقى استجابة مختلفة عمّا اعتاده
هذه اللحظات الصغيرة قد تبدو عادية للآخرين، لكنها بالنسبة لشخص يعيش العجز المتعلَّم تحمل رسالة تصحيحية عميقة.
استعادة الشعور بالقدرة على التأثير
التغيير هنا ليس مجرد اكتساب مهارة جديدة، بل إعادة بناء اعتقاد أساسي عن الذات والعالم.
أن يتعلّم الإنسان من جديد أن المحاولة ليست دائمًا مرادفة للإرهاق أو الخيبة. وأن الفشل السابق مهما تكرر، لا يملك حق تعريف كل المحاولات القادمة.
وفي بعض الأحيان، يكون الجزء الأصعب ليس القيام بالفعل، بل تحمّل الفكرة الجديدة المصاحبة له:
أنك ربما كنت قادرًا طوال الوقت، لكنك عشت طويلًا داخل شروط أقنعتك بعكس ذلك.
وهذه فكرة مؤلمة ومحرِّرة في آن واحد. مؤلمة، لأنها تكشف حجم ما تم فقدانه. ومحرِّرة، لأنها تعني أن ما تم تعلّمه يمكن إعادة تعلّمه.
واخيرًا،
العجز المتعلَّم لا يجعل الإنسان عاجزًا فعلًا، بل يجعله يتصرف كما لو أن قدرته لم تعد ذات قيمة.
وهذا ما يجعله مفهومًا مؤلمًا للغاية.
لأنه لا يسرق من الإنسان الفرص فقط، بل يسرق منه شيئًا أكثر خفاءً:
ثقته بأن المحاولة تستحق.
قد يكون أصعب ما يواجهه الإنسان ليس الفشل نفسه، بل تراكم التجارب التي أقنعته أن الفشل حتمي.
لكن ما يجعل هذا المفهوم أقل قسوة، هو أن التعلّم لا يسير في اتجاه واحد.
فكما تعلّم الإنسان أن صوته لا يُسمع، يمكنه أن يتعلّم مجددًا أن صوته قد يُحدث فرقًا.
وكما تعلّم أن جهده لا يغيّر شيئًا، يمكنه ببطء أن يرى العكس.
وربما لا يبدأ التعافي من لحظة عظيمة تغير كل شيء،
بل من تجربة واحدة بسيطة تكسر القاعدة القديمة.
محاولة صغيرة = نتيجة مختلفة
ربما هذه المرة الأمر ليس كما كان دائمًا.

