حين نصنع حوارات لم تحدث
هل توقفت يومًا لتلاحظ انك تصنع في ذهنك سيناريوهات لم تحدث اصلًا؟
ربما تتخيل شخصًا امامك، فتبدأ محادثة معه، او تجد نفسك تتحدث الى نفسك وكأنك تحادث صديقًا، وتشرح له موقفًا او تجادل في امر ما. وقد يحدث ذلك في اي وقت: اثناء غسل الاطباق، او في الطريق، او قبل النوم، او حتى وانت منشغل بأمر آخر تمامًا.
لكن لماذا نفعل ذلك اصلًا؟ وما الذي يحدث في اذهاننا عندما نبني تفاعلات وحوارات لم تحدث في الواقع؟
ما هي التفاعلات المتخيلة؟
يطلق الباحثون على هذا النوع من النشاط الذهني اسم التفاعلات المتخيلة، وهو مفهوم يشير الى تخيل الشخص لتفاعل او محادثة مع شخص آخر داخل ذهنه، سواء كان ذلك التفاعل مرتبطًا بموقف حدث بالفعل او بموقف يتوقع حدوثه مستقبلًا.
ولا يقتصر الامر على تخيل الكلمات فحسب؛ فقد يبني الشخص حوارًا كاملًا في ذهنه، متخيلًا ما سيقوله وما قد يقوله الطرف الآخر، وكيف سيرد عليه بعد ذلك. وتدرس هذه التفاعلات ضمن موضوعات التخيل الذهني والادراك الاجتماعي والتواصل مع الذات.
وهنا يختلف التفاعل المتخيل عن الحديث الداخلي (Inner Speech). ففي الحديث الداخلي قد نتحدث مع انفسنا ونفكر بالكلمات، اما في التفاعل المتخيل فيظهر عنصر اجتماعي؛ اي اننا نتخيل وجود شخص آخر ونبني معه تفاعلًا داخل اذهاننا.
لماذا يصنع العقل هذه الحوارات؟
قد يؤدي هذا النوع من التخيل وظائف مختلفة، وليس بالضرورة ان يكون مجرد شرود ذهني.
احيانًا نستخدمه للتدرب على ما نريد قوله، او لاستكشاف كيفية سير محادثة ما. وفي احيان اخرى، قد يساعدنا على ترتيب افكارنا وفهم موقف اجتماعي او مشاعر مرتبطة به.
وقد ترتبط هذه الحوارات أيضًا بالعلاقات؛ فقد نتخيل شخصًا بعينه لان العلاقة معه مهمة بالنسبة لنا، او لاننا نحاول فهم موقف حدث بيننا.
بهذا المعنى، لا يكون الحوار المتخيل مجرد كلام يدور في الرأس، بل قد يكون طريقة نتعامل بها ذهنيًا مع المواقف الاجتماعية، سواء قبل حدوثها أو بعد انتهائها.
هل تختلف الحوارات من شخص لاخر؟
قد تتخذ هذه الحوارات اشكالًا مختلفة تبعًا للشخص او الموقف الذي نتخيله.
فقد تجد نفسك مثلًا، تعيد في ذهنك نقاشًا لانك شعرت بأنك لم تستطع التعبير عن نفسك كما اردت. وقد تتخيل محادثة مع شخص آخر لأنك تتوقع لقاءه قريبًا. وقد تجد نفسك تحاور شخصًا تربطك به علاقة مهمة، حتى دون وجود موقف محدد تتوقع حدوثه.
وفي كل هذه الحالات، يمنحنا الحوار المتخيل مساحة نراجع فيها ما قلناه، او نستعد لما سنقوله، او نفهم علاقتنا بمن نتخيله.
عندما يصبح الحوار دائرة لا تنتهي
لكن التفاعلات المتخيلة ليست دائمًا بالوظيفة نفسها.
فقد تكون المحادثة قصيرة وتنتهي بمجرد الوصول الى اجابة او فهم ما نريد قوله. وفي احيان أخرى، قد تستمر الأفكار في الدوران؛ نعيد الموقف نفسه مرارًا، ونبحث عن اجابة افضل، ونتخيل عشرات الاحتمالات والردود التي لم تحدث ولن تحدث.
وهنا يمكن ان يتقاطع الأمر مع الاجترار النفسي (Rumination)، خصوصًا عندما تصبح الأفكار متكررة وسلبية ومستهلكة للانتباه دون ان تقود الى حل او نتيجة جديدة.
لكن وجود تفاعل متخيل متكرر لا يعني تلقائيًا أن الشخص يجتر أفكاره؛ فالتفاعلات المتخيلة ظاهرة اوسع، وقد تكون لها وظائف مختلفة، بعضها قد يكون مفيدًا.
ولهذا، ربما يكون السؤال المهم هو:
ماذا يفعل هذا الحوار بي؟
هل يساعدني على الاستعداد لمحادثة حقيقية؟ هل يساعدني على فهم ما حدث؟ ام انه يعيدني الى الموقف نفسه دون أن يضيف شيئًا جديدًا؟
ليست ظاهرة غريبة
قد يبدو الحديث عن هذه الحوارات غريبًا عندما ننتبه اليه للمرة الأولى، خصوصًا لأن معظمها يحدث في مساحة لا يراها أحد سوانا. لكن التفاعلات المتخيلة والحديث الداخلي موضوعان مدروسان في علم النفس والتواصل، ووجودهما بحد ذاته لا يكفي للحكم على الصحة النفسية للشخص.
وقد ينظر الناس الى هذا النوع من الحوار بصورة مختلفة؛ فقد يراه أحدهم مساحة مألوفة وآمنة للتفكير، بينما قد يثير القلق لدى شخص آخر. لكن ما يحسم الامر ليس مجرد وجود الحوار، بل نوعيته، ودرجة التحكم فيه، وتأثيره في الشخص.
فهل يحدث بصورة عابرة ويخدم غرضًا معينًا، ام اصبح مستهلكًا للوقت والانتباه ومصدرًا للضيق؟
فالظاهرة نفسها لا تكفي للحكم على الشخص؛ السياق والوظيفة والأثر هي ما يجعل فهمها اكثر دقة.
وربما لهذا السبب تحدث افضل نقاشاتنا في غياب الآخرين.
نحن لا نتعامل مع الاحداث بعد وقوعها فقط، بل نتوقعها، ونعيد بناءها، ونتخيل احتمالاتها.
ولهذا قد تجد نفسك فجأة، وانت في الطريق، تكون في منتصف نقاش كامل لم يحدث اصلًا. ثم تصل الى وجهتك، وكأن شيئًا لم يحدث.


لفت إنتباهي الموضوع كثيراً وكنت أريد قراءته بشده ولكن ظهر لي 83% ai 💔