قرأت عبارة لفتت انتباهي :
كيف يتذكر العقل أنني نسيت شيئًا، لكنه لا يتذكر ما الذي نسيته؟
قد يبدو سؤالًا بسيطًا ، لكنه يحمل عمقًا اكبر مما يبدو عليه. فجميعنا مررنا بتلك اللحظة التي نشعر فيها أن الإجابة قريبة جدًا؛ اسم شخص نعرفه، كلمة مألوفة، أو معلومة نكاد ننطق بها، لكنها تتوقف فجأة عند حدود الوعي.
في تلك اللحظة، لا يكون الإحساس مجرد نسيان عابر. هناك شعور واضح بأن الإجابة موجودة فعلًا في مكان ما داخلنا، وأننا نعرفها، لكننا لا نستطيع الوصول إليها.
في علم النفس، تُعرف هذه الحالة باسم ظاهرة طرف اللسان. وهي لا تعني بالضرورة أن المعلومة اختفت من الذاكرة، بل غالبًا تكون موجودة بالفعل، لكن شيئًا ما يتعثر في طريق الوصول إليها.
والأغرب من ذلك، أننا لا نشعر فقط بغياب المعلومة، بل نشعر أيضًا بقربها.
كأن العقل لا يمنحنا الإجابة كاملة، بل يترك لنا أثرها فقط. إحساس مألوف بأن الشيء حاضر، لكنه خارج المتناول بقليل.
قد لا نتذكر الاسم، لكننا نعرف أنه صحيح حين نسمعه.
قد لا نستحضر الكلمة، لكننا نشعر بأنها على وشك الظهور.
هذا الوعي الغريب بما نعرفه وما نعجز مؤقتًا عن استحضاره، يكشف أن علاقتنا بذاكرتنا أعقد مما نتصور. فنحن لا نخزن المعلومات فقط، بل نمتلك أيضًا إحساسًا داخليًا بحالتنا المعرفية؛ كأن جزءًا منا يراقب ما يحدث في الخلفية، حتى عندما لا نملك وصولًا كاملًا إليه.
وربما لهذا السبب تصبح محاولاتنا المستميتة للتذكر أكثر إرباكًا أحيانًا. كلما ضغطنا على أنفسنا، ازداد التوتر، وتداخلت الأفكار، حتى تبدو الإجابة أبعد مما هي عليه.
ثم بشكل شبه ساخر، تظهر لاحقًا في لحظة عادية تمامًا. أثناء المشي، أو الاستحمام، أو قبل النوم بدقائق.
لا لأنها عادت فجأة، بل لأننا توقفنا أخيرًا عن ملاحقتها.
وربما لهذا تبدو هذه التجربة مألوفة أكثر مما نظن. فهي لا تكشف فقط عن طريقة عمل الذاكرة، بل تلمس أيضًا تجربة إنسانية أوسع: ذلك الشعور المتكرر بأن شيئًا ما قريب منا، حاضر بطريقة ما، لكننا لم نصل إليه بعد.
ربما أكثر ما يلفتني في هذه الظاهرة أنها تذكرنا بشيء يتجاوز الذاكرة نفسها.
عدم قدرتنا على الوصول إلى شيء ما، لا يعني دائمًا أنه غير موجود.
أحيانًا نبحث عن فكرة، أو قرار، أو تفسير واضح لمرحلة نمر بها، ولا نجد شيئًا. فنفترض أن الإجابة غير موجودة أصلًا، أو أننا نفتقد الوضوح تمامًا.
لكن ربما المسألة ليست غيابًا، بل توقيت.
ربما بعض الأشياء موجودة بالفعل، لكنها لم تصل إلينا بعد.
تحتاج فقط إلى هدوء أكبر، أو مسافة كافية، أو قدر أقل من الإلحاح.
لعل العقل يذكرنا، حتى في لحظات النسيان الصغيرة بأن ليس كل ما نعجز عن الوصول إليه الآن مفقودًا. فبعض الأشياء لا تظهر كلما لاحقناها أكثر، بل حين نمنحها المساحة الكافية لتصل إلينا.
وكأن التجربة كلها من لحظة نسيان كلمة بسيطة إلى لحظة إدراك معناها، لا تتعلق بالذاكرة وحدها، بل بطريقة وجودنا مع الأشياء عمومًا؛ كيف نطلب الفهم، وكيف نتعثر فيه، وكيف يعود إلينا حين نهدأ قليلًا.
ربما ليست المشكلة في أننا لا نصل، بل في أننا نعتقد أن الوصول يجب أن يحدث فورًا.
لا تستعجل ما لم يُخلق للعجلة

