في كل مرة أسمع فيها جملة مثل “ما تراه في الآخرين يعكسك”، أتوقف قليلًا.
ليس لأنها خاطئة، بل لأنها تبدو أعمق مما هي عليه. تنتشر في المحتوى النفسي المبسّط كأنها حقيقة مطلقة، وتُقال بثقة تفوق ما تستحقه.
وحين تُطلق على كل موقف وكل حكم، تتحول من فكرة مثيرة للتأمل إلى تفسير جاهز يُغني عن التفكير.
الإسقاط النفسي مفهوم حقيقي وله قيمة. لكنه ليس مفتاحًا لفهم كل ما يصدر عنا تجاه الآخرين.
وهنا أقف عند هذه الأسئلة؛ ما هو الإسقاط فعلًا، وأين تنتهي حدوده، وما الذي يفيدنا منه حين نفهمه بشكل صحيح.
ما هو الإسقاط النفسي
ظهر هذا المفهوم في إطار التحليل النفسي عند فرويد، الذي وصفه بأنه آلية دفاع غير واعية، يلجأ فيها الإنسان إلى نسب مشاعر أو صفات غير مريحة في ذاته إلى الآخرين، بدلًا من مواجهتها.
الفكرة في جوهرها بسيطة: ما يصعب علينا تقبّله في أنفسنا، قد ننسبه دون وعي إلى من حولنا. لكن علم النفس المعاصر لا يتعامل مع الإسقاط كتفسير شامل أو حتمي، بل كواحد من عدة تفسيرات ممكنة لفهم الطريقة التي ندرك بها الآخرين.
لأن الحقيقة أن إدراكنا الاجتماعي أعقد من ذلك بكثير. هو نتاج تفاعل بين تحيزاتنا المعرفية، وطريقة تفسيرنا للأحداث، وخبراتنا السابقة، والسياق الذي نعيشه.
ما يعني أنه لا يمكن اختزاله في آلية واحدة، ولا في جملة واحدة مهما بدت عميقة.
مثالان متضادان
لأن الفكرة تتضح أكثر بالمقارنة، دعنا نقف عند حالتين مختلفتين.
الحالة الأولى: حين يتأثر الحكم بما بداخلنا
تخيّل شخصًا يعاني داخليًا من قلق حول كفاءته وأدائه، لكنه لم يواجه هذا الشعور بشكل مباشر، ولا يعترف به حتى لنفسه.
في بعض المواقف، قد يبدأ هذا الشخص بملاحظة زميل له بطريقة سلبية، يراه أقل كفاءة، أو غير منضبط، أو لا يرقى إلى المستوى المطلوب. وما يلفت الانتباه ليس الحكم نفسه، بل الطريقة التي يُبنى بها: بعاطفة أكبر مما يستدعيه الموقف، وبصعوبة في مراجعته حين تظهر معلومات مخالفة.
في هذه الحالة، قد لا يكون التقييم انعكاسًا دقيقًا للواقع فقط، بل متأثرًا أيضًا بحالة انفعالية أو تحيز إدراكي يؤثر على طريقة تفسير السلوك. لكن من المهم هنا ألا نجزم، فليس كل حكم سلبي ناتجًا عن ذلك، كما أن هذا التأثير يختلف من موقف لاخر ومن شخص لاخر.
+
الحالة الثانية: حين يكون الحكم مجرد ملاحظة
في المقابل، تخيّل شخصًا يعمل مع زميل يتأخر باستمرار عن المواعيد، ولا يُسلّم مهامه في وقتها. هذا النمط متكرر، موثّق، ويؤثر على العمل بشكل فعلي.
هذا الشخص لا يحمل قلقًا مكبوتًا حول الالتزام. هو لا يبحث عن متنفس لمشاعره. هو يلاحظ نمطًا واضحًا ويُسمّيه بهدوء.
حكمه هنا أقرب إلى قراءة واقعية للسلوك. والفرق بين الحالتين لا يكمن في الحكم نفسه، بل في المصدر الذي ينبع منه، وفي الطاقة الانفعالية التي يحملها.
“ما تراه في الآخرين يعكسك” وهم جميل لكنه غير دقيق
هذه الجملة تنتشر كثيرًا في المحتوى النفسي المبسّط، وتبدو عميقة للوهلة الأولى. لكنها إن أُخذت على إطلاقها غير صحيحة.
نعم، في بعض الحالات يكون إدراكنا للآخرين متأثرًا بمشاعرنا وتجاربنا الداخلية. لكن في حالات كثيرة أخرى، يكون ما نراه قائمًا على ملاحظة واقعية دقيقة، لا علاقة لها بما بداخلنا.
وحين نُطلق هذه الجملة على كل موقف، نخاطر بأمرين في آن واحد: أن نُشكّك في كل حكم صادق نُصدره، وأن نُبرّر بعض الأحكام غير العادلة بحجة أنها “انعكاس لمشاعر الآخرين”.
الإدراك الاجتماعي بحسب ما تقوله الأبحاث النفسية هو نتاج تفاعل مستمر بين الواقع الخارجي والحالة الداخلية والسياق والتفسير المعرفي. وليس مرآة أحادية الاتجاه.
إذن، ما الفائدة الحقيقية من هذا المفهوم؟
الإسقاط النفسي لا يفيدنا حين نستخدمه سلاحًا لتفسير دوافع الآخرين أو تشريح شخصياتهم من بعيد. فائدته الحقيقية تبدأ حين نوجّهه نحو الداخل.
حين نسأل أنفسنا بصدق: هل هذا الحكم الذي أُصدره نابع من الواقع فقط؟ أم أن فيه شيئًا من تجربتي أنا لم أنتبه إليه؟
لا يعني هذا السؤال أن نشكّك في كل ما نرى، بل أن نُضيف طبقة من الوعي تجعل إدراكنا أكثر أمانة، لأنفسنا أولًا، وللآخرين ثانيًا.
والوعي الذاتي، على عكس ما يبدو أحيانًا، لا يجعلنا أقل قدرة على إصدار أحكام. بل يجعلنا أكثر دقة وصدق فيها، وأقل ميلًا لأن نخطئ في حق الآخرين بسبب ما لم نُعالجه في أنفسنا.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن إدراكنا للآخرين يسير في اتجاه واحد ثابت، ولا يمكن اختزاله في تفسير واحد بسيط.
فما نراه حولنا يتشكل عبر طبقات متعددة تتداخل فيها الملاحظة، والخبرة السابقة، والحالة الانفعالية، وطريقة تفسيرنا لما يحدث. وهذا ما يجعل الأحكام الإنسانية أقرب إلى “عملية فهم” مستمرة، لا إلى حكم نهائي ثابت.
ومن هذا المنظور، قد لا يكون الهدف أن نصل إلى يقين كامل حول صواب كل حكم نصدره أو خطئه، بل أن نمنح أنفسنا مساحة أوسع للفهم قبل التسرّع في التفسير.
ففي بعض اللحظات، يكون إدراكنا دقيقًا وقريبًا من الواقع، وفي لحظات أخرى قد يتأثر بعوامل داخلية لم ننتبه اليها بعد. وكلا الأمرين جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، لا يستدعي القسوة على الذات ولا المبالغة في التشكيك بها.
ولعل ما يضيف قدرًا من النضج إلى هذا الإدراك، هو أن نتعامل مع ما نراه بهدوء أكبر، ومسافة أرحب بين الملاحظة والحكم، وبين الشعور والتفسير.
ليس لأننا نشك في كل شيء،
بل لأن الفهم الأعمق يحتاج وقتًا أكثر مما تمنحه الانطباعات الأولى.
وهنا تحديدًا، يبدأ الإدراك يصبح أكثر صدقًا وأقل اندفاعًا

