هناك علاقات لا تبدأ بشكل سيئ، بل تبدأ بشكل طبيعي، وأحيانًا جميل. شخص يبدو مهتمًا، حاضرًا ويفهمك بسرعة، ويجعلك تشعر أنك مرئي بطريقة لم تعتدها.
ثم شيئًا فشيئًا تتغير الأمور الصغيرة. ليس بشكل واضح، بل بشكل لا تلاحظه بسهولة.
تبدأ تشك في نفسك أكثر مما تشك في الموقف. وفي لحظة ما تصبح الحقيقة أقل وضوحًا من شعورك بالارتباك.
والمشكلة ليست أنك لا ترى ما يحدث، بل أنك تراه وتختار الا تصدق.
من هو المتلاعب؟
ليس كل شخص صعب او مؤذي متلاعب. التلاعب لا يظهر غالبًا في البداية ولا يكون حدثًا واحدًا، بل هو نمط يتكرر مع الوقت حتى يصبح جزءًا من العلاقة.
في علم النفس يُشار الى ما يُعرف بـالمثلث المظلم في الشخصية وقد تحدثتُ عنه سابقًا. يتكوّن من ثلاث سمات:
نرجسية: شعور مبالغ بالأهمية واستحقاق خاص
ميكافيلية: استخدام الآخرين كوسيلة لا غاية
سيكوباتية غير اكلينيكيه: ضعف التعاطف وغياب الشعور بالذنب
والأهم أن هذا النوع لا يظهر بوضوح منذ البداية، بل يتكشف تدريجيًا حتى يصبح مألوفًا.
كيف يحدث التلاعب؟
لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تغير طريقة ادراكك لما يحدث.
الغازلايتنغ - Gaslighting
أن يقول لك شخص شيئًا واضحًا، ثم ينكره بثقة:
“لم أقل ذلك” “أنت تتخيل” “أنت تبالغ”
في البداية تمر الجملة مرورًا عاديًا، ثم تتكرر. ثم يبدأ السؤال يتغير داخلك: هل أتذكر بشكل صحيح؟
وهنا لا يعود الخلاف على الحدث بل على ثقتك أنت في ادراكك
وإذا بدأت تلاحظ أنك تشك في نفسك أكثر مما تشك في الشخص الآخر، فهذه إشارة تستحق التوقف عندها وتفكر.
التعزيز المتقطع
قليل من الاهتمام، ثم برود، ثم عودة مفاجئة للاهتمام.
هذا النمط لا يصنع علاقة مستقرة، بل يصنع تعلقًا مربكًا. لأنك لا تتعلق بالواقع كما هو، بل باللحظات التي تُنسيك الباقي.
ومع الوقت، يصبح الانتظار جزءًا من العلاقة نفسها.
وإذا كانت أفضل لحظاتك تأتي دائمًا بعد أسوأها، فهذا ليس حبًا، بل اغاثة.
وهنا يجب ان تنتبه
DARVO : إنكار – هجوم – قلب الأدوار
تواجهه بما يؤلمك، فينكر ما حدث، ثم يهاجمك، ثم يقلب الصورة حتى يبدو هو المتأذي، وفجأة تجد نفسك أنت من يبرر، لا من يُفهم.
وأحيانًا دون أن تدرك كيف وصل النقاش إلى هنا.
وإذا وجدت نفسك تعتذر كثيرًا دون أن تفهم السبب بوضوح، فهذه علامة تستحق الانتباه.
لماذا نقع فيه رغم أننا نفهم؟
لأن الفهم لا يعمل وحده داخل العلاقات.
المتلاعب لا يخاطب العقل فقط، بل يخاطب ما هو أعمق: التعلق، والخوف، والحاجة للأمان.
ثم يأتي ما يزيد الأمر تعقيدًا، وهو ما يسميه علماء النفس التنافر المعرفي؛ حين تعيش بين حقيقتين متناقضتين:
أنا أتأذى / وأنا احبه.
لا يتحمل العقل هذا التناقض بسهولة، فيبدأ بتخفيفه بدل مواجهته. فتظهر التبريرات بهدوء:
ربما أنا حساس
ربما انا السبب
ربما الامر طبيعي و كل العلاقات هكذا
ومع الوقت لا تعود التبريرات مجرد رد فعل، بل تصبح طريقة رؤية
ما الذي يحمينا؟
ليس المعرفة وحدها. بل أن ترى النمط عبر الوقت لا عبر موقف واحد، وأن يكون هناك شخص خارج العلاقة يرى الصورة كاملة، وأن تضع حدودك قبل أن تدخل في العمق العاطفي، لأن ما يُفهم بوضوح من الخارج يصعب رؤيته من الداخل.
ولأن الوعي الحقيقي لا يأتي من معرفة المصطلحات، بل من ملاحظة كيف تشعر بعد كل لقاء.
واخيرا، التلاعب النفسي لا يُقاس بحدث واحد، ولا بجملة قيلت في لحظة غضب. بل يُقاس بما يحدث داخلك مع الوقت: كيف بدأت ترى نفسك، وكيف بدأت تشك في ما كنت متأكدًا منه يومًا.
ليس من السهل دائمًا ملاحظة البداية، لأن كل شيء يبدو طبيعيًا في أوله. لكن الإشارات الحقيقية تظهر بهدوء: حين يصبح شعورك أقل ثقة، وصوتك الداخلي أقل وضوحًا، واحتياجك للتبرير أكبر من احتياجك للفهم.
وأحيانًا أول خطوة للخروج لا تكون قرارًا كبيرًا بل لحظة صادقة مع نفسك
أن ما تشعر به ليس مبالغة، وأنه يستحق أن يُؤخذ بجدية.
تذكر أن الاحساس لا يحتاج دائمًا الى دليل ليكون حقيقيًا


أحيانًا لا يكون السؤال هل هذا الشخص يحبني أم لا بل هل وجوده يجعلني أشعر بالأمان أم بالارتباك. فالعلاقات السليمة لا تجعل الإنسان يقضي وقته في تفسير نفسه ولا في إثبات مشاعره بل تمنحه مساحة يبقى فيها على طبيعته دون خوف.
مقال رائع يكشف عديداً من مزايا التعلق بالمتلاعبين
لكن لدي سؤال، هل يمكن للمتلاعب الا يشعر انه يتلاعب بالطرف الاخر وربما لذلك ذكرت ضعف تعاطفه وعدم معرفة شعوره بالذنب وبالتالي هو لا يشعل بهاتين وفقط يعرف كيف يستغل دون ان يعلم؟