لماذا نبكي على الجروح القديمة؟
قرأت مقولة تقول:
““كيف ستُشفى و أنت كل ما طعنتك الحياة بكيت على جرح قديم”
توقفت عندها قليلًا. ليس لأنها تتحدث عن الألم، فالألم جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، بل لأنها تطرح سؤالًا مهمًا: لماذا تكون بعض ردود أفعالنا أكبر من حجم الموقف نفسه؟
قد يتلقى شخص ملاحظة عادية في العمل فينزعج منها لساعات. وقد يسمع أحدهم تعليقًا عابرًا فيبقى يفكر فيه طوال اليوم.
في مثل هذه المواقف، لا يكون السؤال الأهم : ماذا حدث، بل لماذا أثّر هذا الحدث بهذا القدر؟
عندما لا يكون الموقف هو السبب
يميل الإنسان بطبيعته إلى ربط مشاعره بما يحدث أمامه مباشرة. فإذا شعر بالحزن أو الغضب أو القلق، ظن أن السبب هو الموقف الحالي.
لكن علم النفس يشير إلى أن استجاباتنا لا تتشكل من الحاضر وحده، بل من تفاعل الحاضر مع ما نحمله من خبرات سابقة.
ولهذا قد يبدو أحيانًا أن موقفًا بسيطًا أثار مشاعر كبيرة، ليس لأن الحدث شديد القسوة بالضرورة، ممكن ان يكون حدث بسيط، لكنه لامس شيئًا أقدم منه.
فالأحداث لا تصل إلى عقولنا في فراغ، وإنما تمر عبر شبكة واسعة من الذكريات والخبرات والتجارب السابقة التي تشكل طريقة فهمنا لها.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن الماضي هو التفسير الوحيد لكل استجابة قوية. فقد تتأثر ردود أفعالنا أيضًا بعوامل أخرى مثل الإرهاق، أو قلة النوم، أو الضغوط المتراكمة، أو بعض سمات الشخصية، أو حتى الحالة المزاجية المؤقتة.
لكن المقولة التي بدأت بها هذا المقال تلفت الانتباه إلى عامل مختلف تحديدًا: كيف يمكن لبعض الخبرات السابقة أن تجعل بعض مواقف الحاضر أكثر تأثيرًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
المحفزات النفسية: حين يوقظ الحاضر شيئًا من الماضي
في الأدبيات النفسية المتعلقة بالصدمة، يُستخدم مصطلح المحفز للإشارة إلى أي مثير قد يستحضر استجابة مرتبطة بتجربة مؤلمة سابقة.
ووفقًا لدليل SAMHSA الإكلينيكي للرعاية الواعية بالصدمة، فإن المحفز قد يكون صوتًا، أو رائحة، أو مشهدًا بصريًا، أو إحساسًا جسديًا، أو أي عنصر حسي يذكّر الفرد بخبرة سابقة. وبعض هذه المحفزات يكون واضحًا، بينما يكون بعضها الآخر خفيًا إلى درجة أن الشخص نفسه قد لا يدرك سبب استجابته القوية.
لهذا قد لا يكون الموقف الحالي مؤلمًا بحد ذاته، لكنه يوقظ مشاعر ارتبطت بخبرة أقدم.
فكلمة نقد قد تذكّر شخصًا بسنوات من التقليل من شأنه. وموقف رفض بسيط قد يعيد إلى آخر شعورًا قديمًا بالاستبعاد. وتجاهل عابر قد يوقظ لدى شخص ما تجربة سابقة شعر فيها بأنه غير مرئي أو غير مهم.
لماذا يتأثر الناس بالمواقف نفسها بطرق مختلفة؟
من الملاحظات المتكررة في علم النفس أن الأشخاص لا يستجيبون للضغوط بالطريقة نفسها. فالموقف الذي يمر على شخص بصورة عابرة قد يكون أكثر إزعاجًا لشخص آخر.
حاول الباحثون تفسير هذه الفروق بعدة طرق، ومن بين الأفكار التي حظيت باهتمام كبير ما يُعرف بفرضية التحسس للضغط النفسي (Stress Sensitization).
وتقترح هذه الفرضية أن الخبرات الشديدة أو الضاغطة التي يمر بها الإنسان قد تؤثر في طريقة استجابته للضغوط اللاحقة. وقد نوقشت هذه الفكرة في عدد من المراجعات العلمية والدراسات الإكلينيكية، خصوصًا لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الاضطرابات النفسية أو التعرض لشدائد مبكرة.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن كل شخص مر بتجربة صعبة سيصبح أكثر حساسية للضغوط، ولا أن الاستجابة القوية لموقف ما تدل بالضرورة على وجود جرح قديم. لكنها تذكّرنا بأن الخبرات السابقة قد تلعب دورًا في كيفية إدراكنا للأحداث وتفاعلنا معها.
عندما يبقي التفكير الجرح حاضرًا
ليست كل الجروح النفسية تستمر بسبب الحدث الذي سببها.
أحيانًا تستمر بسبب الطريقة التي نتعامل بها معها.
ومن أكثر المفاهيم التي تناولتها الأبحاث النفسية مفهوم الاجترار الذهني ؛ وهو الميل إلى العودة المتكررة للأفكار والمشاعر السلبية وإعادة التفكير فيها مرارًا.
قد يبدو هذا التفكير في البداية محاولة للفهم أو البحث عن إجابة، لكنه كثيرًا ما يتحول إلى دائرة مغلقة تعيد تنشيط المشاعر نفسها دون أن تقود إلى حل فعلي.
ومع الوقت، لا يبقى الحدث المؤلم حاضرًا بسبب وقوعه فقط، بل بسبب استمرار استحضاره ذهنيًا بصورة متكررة.
ولهذا قد يشعر الإنسان أحيانًا بأن جرحًا قديمًا ما زال قريبًا، رغم مرور سنوات طويلة عليه.
هل يكفي مرور الوقت للشفاء؟
من أكثر العبارات شيوعًا قولنا إن الزمن يشفي كل شيء.
لكن الواقع النفسي أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالوقت يساعد الإنسان على التكيف، لكنه لا يعالج بالضرورة كل أثر نفسي بمفرده.
ولهذا قد تمر سنوات على تجربة مؤلمة، ثم يوقظها موقف صغير بصورة مفاجئة.
ليس لأن الوقت لم يمر، بل لأن بعض الآثار النفسية تحتاج إلى فهم ومعالجة وتكيف، لا إلى مرور الأيام فقط.
ماذا يعني الشفاء الحقيقي؟
الشفاء لا يعني أن تختفي الذكريات، ولا يعني أن نتظاهر بأن الماضي لم يحدث، كما لا يعني ألا نشعر بالألم أبدًا
الشفاء الحقيقي هو أن نفقد الحاجة إلى إعادة عيش الماضي في كل مرة يذكّرنا به الحاضر.
أن نستطيع رؤية الموقف الحالي كما هو، لا كما كانت تراه تجاربنا القديمة.
أن نفرق بين ما يحدث الآن، وما حدث يومًا ما.
ولعل هذا هو المعنى الذي جعلني أتوقف عند تلك المقولة. فالمشكلة ليست أن الحياة قد تخدشنا من وقت إلى آخر، فهذا جزء من الحياة نفسها.
المشكلة أن تتحول كل خدشة جديدة إلى جرح قديم.
وحينها لا يكون السؤال كيف نتجنب الخدوش، بل كيف نمنع الطعنات القديمة من أن تواصل الحديث باسمها.
واخيرًا، الاهتمام بالنفس يبدأ من لحظة صدق بسيطة: أن نتوقف عن التعامل مع كل شعور على أنه حقيقة كاملة، وأن نمنح ما نشعر به مساحة للفهم لا للاندفاع. فكلما كان الإنسان أرفق بنفسه، أصبح أهدأ في التعامل مع ما يمر به دون أن يضاعف ألمه


أحسنتِ