لماذا يشتاق الانسان لما يعلم أنه قد لا يعود؟
هناك شعور لا يشبه اي شعور آخر؛ ليس حزن ولا رغبة يمكن اشباعها.
قد تشتاق الى شخص توفي، أو الى بيت تم بيعه أو هدمه، او الى مدينة غادرتها، او حتى الى نسخة قديمة منك لم تعد موجودة. والأغرب من ذلك أنك قد تشتاق الى شيء لم يحدث اصلًا.
الى حياة تخيلتها أو فرصة ضاعت، أو مستقبل كنت تؤمن أنه سيكون لك.
فكيف يمكن للإنسان أن يحنّ إلى شيء لم يعشه؟
هذا السؤال ليس أدبيًا فحسب، بل هو سؤال شغل علماء النفس لسنوات. وبينما اعتدنا استخدام كلمة “الشوق” في القصائد والأغاني، فإن علم النفس ينظر إليه بوصفه حالة انفعالية معقدة تكشف الكثير عن طريقة ارتباطنا بالناس وبالزمن وبأنفسنا حتى.
الشوق ليس رغبة
من السهل ان نخلط بين الشوق والرغبة، لكنهما مختلفان
الرغبة تتجه نحو شيء نعتقد أنه قابل للتحقيق؛ نشعر بالجوع فنأكل، نرغب في الخروج فنخرج، نحتاج الى الراحة فننام. وغالبًا ما تنطفئ الرغبة بمجرد اشباعها.
اما الشوق فلا يخضع لهذا المنطق، انه يستمر حتى عندما يصبح الوصول الى موضوعه مستحيلًا.
ولهذا تصفه الأدبيات النفسية بأنه حالة يعيش فيها الانسان بين الحضور والغياب، يكون الشيء غائب عن الواقع، لكنه حاضر بقوة داخل النفس.
إنه لا يطالب بالاشباع بقدر ما يطالب بالاستمرار.
ولهذا قد يرافق الانسان سنوات طويلة دون أن يختفي، حتى عندما يكون مقتنعًا تمامًا بأن ما يشتاق إليه لن يعود.
حين يكون الغياب حاضرًا
لفهم الشوق، لا بد من العودة الى احد اكثر الأسماء تأثيرًا في علم النفس الحديث: جون بولبي.
في نظريته عن التعلق، لم ينظر بولبي الى العلاقة بين الطفل ومقدم الرعاية على أنها مجرد علاقة عاطفية، بل عدّها نظام بيولوجي هدفه الحفاظ على القرب ممن يوفر الأمان.
وعندما يحدث الانفصال، لا يتوقف هذا النظام فجأة، بل يبدأ الطفل بالبحث؛ يبكي، ينادي، يراقب الباب، يرفض المواساة
سمّى بولبي هذه المرحلة بالاحتجاج في دراسته عن انفصال الأطفال، واستخدم لاحقًا مع زميله كولن باركيس مصطلح “الشوق والبحث” لوصف مرحلة مشابهة ضمن مراحل الحداد بشكل عام. وفي الحالتين، رأى أن هذا السلوك ليس تصرفًا عاطفيًا عابرًا، بل استجابة طبيعية صممها الدماغ للحفاظ على العلاقة.
ولهذا لا يكون الشوق مجرد شعور، بل سلوك أيضًا. نبحث، نسأل، نعيد قراءة الرسائل، نستمع الى التسجيلات الصوتية، ونزور الأماكن القديمة. وكأن العقل يرفض الاعتراف بأن الغياب أصبح حقيقة.
المثير للاهتمام ان هذا النمط لا يختفي مع الطفولة. فنحن لا نتوقف عن التعلق عندما نكبر بل تتغير فقط الوجوه التي نتعلق بها.
قد تصبح شريك، او صديق، او أحد الوالدين، أو حتى مكان يمنحك الشعور بالانتماء. ولهذا عندما نفقدهم، يعود النظام نفسه الى العمل، حتى لو كنا بالغين ندرك أن ما فقدناه لن يعود.
لكن هذا ليس الوجه الوحيد للشوق الذي اهتم به علماء النفس. فحتى الآن كنا نتحدث عن الشوق كما درسه باحثو التعلق؛ أي الشوق الذي ينشأ بعد فقد شخص أو الانفصال عنه. أما في علم النفس النمائي، فقد ظهر سؤال مختلف تمامًا:
هل يمكن أن يشتاق الإنسان الى حياة لم يعشها أصلًا؟
ومن هنا ظهر مفهوم Sehnsucht،
الذي يصف نوعًا آخر من الشوق. وهو يلتقي مع شوق الفقد في التجربة الإنسانية، لكنه ينطلق من إطار بحثي مختلف.
الشوق إلى حياة لم نعشها
في علم النفس النمائي، درس باحثون ألمان مفهوم Sehnsucht، وهو مصطلح لا يجد ترجمة عربية دقيقة، لأنه يتجاوز معنى الحنين او الاشتياق.
ووصفوه بأنه رغبة عميقة في حياة غير التي نعيشها، او في خيالات كان الإنسان يتمنى أن يعيشها، حتى لو لم تكن موجودة في الواقع.
ولعل هذا يفسر مواقف قد يعيشها بعض الناس؛ فقد يجد الإنسان نفسه يشتاق الى حياة كان يتمنى أن يعيشها أو الى فرصةٍ لم تتح له، أو حتى الى مستقبل ظل يتخيله سنوات طويلة. فهنا لا يكون موضوع الشوق ذكرى حقيقية، بل شيء لم يتحقق.
انه شوق لا يتجه الى الذكريات، بل الى المتخيّل.
وهذا ما يجعل الشوق ظاهرة نفسية فريدة؛ فهو لا يعيش في الماضي وحده، بل يمتد بين الماضي والحاضر والمستقبل في الوقت نفسه.
وقد حدد الباحثون ست خصائص أساسية لهذا النوع من الشوق:
أنه يرسم صورة مثالية للحياة.
يكشف شعور داخلي بعدم الاكتمال.
يتحرك بين الماضي والحاضر والمستقبل معًا
يحمل مشاعر متناقضة؛ لذة وألم في آنٍ واحد
يدفع الإنسان الى مراجعة حياته وتأملها
كما يمتلك قيمة رمزية تتجاوز الشيء المفقود نفسه
لهذا لا يكون الشوق مجرد اشتياق لشيء غائب، بل يصبح عدسة ينظر الإنسان من خلالها إلى حياته، وما كان يتمنى أن تكون عليه.
لماذا نتمسك بالشوق رغم أنه يؤلم؟
لو كان الشوق مؤلمًا الى هذا الحد، فلماذا لا يتخلص منه العقل ببساطة؟
قد تبدو الإجابة بديهية: لأنه لا يستطيع. لكن الدراسات تقترح تفسيرًا أكثر تعقيدًا.
يرى باحثو Sehnsucht أن الشوق قد يؤدي وظيفة نفسية مهمة، خاصة عندما يصبح تحقيق الهدف مستحيلًا.
في الظروف الطبيعية، عندما يريد الإنسان هدف فإنه يحاول الوصول إليه. فإذا تعذر ذلك مؤقتًا يزيد جهده. أما إذا أصبح الهدف مستحيلًا بصورة نهائية، فإن الاستمرار في السعي قد يستنزف الإنسان نفسيًا دون جدوى.
هنا يبدأ العقل بالبحث عن طريقة أخرى للاحتفاظ بما كان يمنحه المعنى، ليس في الواقع بل في الخيال.
لهذا اقترح الباحثون أن الشوق قد يعمل بوصفه آلية تعويضية؛ فعندما يتوقف الاستثمار السلوكي في هدف مستحيل، يبقى الهدف حيًا داخل العالم الداخلي للإنسان.
إنه لا يعيد المفقود، لكنه يحافظ على قيمته.
وهنا لا يكون الشوق محاولة لتغيير الواقع، بل وسيلة للحفاظ على معنى ما لم يعد ممكنًا.
الطعم الحلو والمر
من أغرب خصائص الشوق أنه لا يشبه الألم الخالص.
فحين تستعيد ذكرى شخص تحبه، قد تشعر بانقباض في صدرك، لكنك تبتسم في الوقت نفسه. وحين تعود الى صور طفولتك، قد تحزن لان الزمن مضى، لكنك تشعر بدفء لا تستطيع تفسيره.
ولهذا تصف الادبيات النفسية الشوق بأنه شعور Bittersweet ؛ اي شعور يجمع بين الحلاوة والمرارة في اللحظة نفسها.
هذه الثنائية ليست تناقضًا، بل جزء من طبيعة الشوق. فالشيء الذي يؤلمك هو نفسه الذي يمنحك الاحساس بأنه كان موجودًا يومًا ما.
ولو اختفى الألم تمامًا، لاختفى معه جزء من الذكرى ايضًا.
وربما لهذا السبب يخاف بعض الناس من التعافي. ليس لانهم يحبون المعاناة، بل لانهم يظنون ان زوال الشوق يعني زوال العلاقة نفسها. وكأن استمرار الاشتياق هو آخر الخيوط التي تربطهم بمن او بما فقدوه.
لكن علم النفس يفرق بين الأمرين.
فالعلاقة قد تستمر في الذاكرة وفي الهوية، وفي أثرها على الشخصية، دون ان يبقى الشوق معيقًا للحياة.
ولهذا لا يكون الهدف الصحي هو محو الشوق بل ان يتغير شكله. ان يصبح جزء من القصة، لا سجن يعيش الانسان داخله.
حين يصبح الشوق اضطرابًا
في اغلب الاحيان، يكون الشوق استجابة انسانية طبيعية.
لكن في بعض الحالات، لا يهدأ مع مرور الوقت ولا يسمح لصاحبه باستعادة حياته.
ولهذا ظهر في التصنيفات التشخيصية الحديثة، مثل DSM-5-TR وICD-11، ما يُعرف باضطراب الحداد المطوّل.
ولا يُشخَّص هذا الاضطراب لان الشخص حزين فحسب، بل لان الشوق الشديد الى المتوفى يستمر بصورة متكررة، ويرافقه انشغال دائم بالفقيد وصعوبة في تقبل موته، الى درجة تؤثر في الحياة اليومية والعلاقات والعمل.
ومن المهم هنا التمييز بين الأمرين. فالشوق بوصفه تجربة انسانية ليس مرضًا، كما أن استمرار الاشتياق بعد الفقد لا يعني تلقائيًا وجود اضطراب نفسي.
اما اضطراب الحداد المطوّل، فهو حالة سريرية تُشخَّص عندما يستمر هذا الشوق بصورة شديدة ومزمنة، ويمنع الإنسان من عيش حياته بشكل طبيعي.
وهذا يذكرنا بأن الحزن لا يمشي على خطى واحدة يتبعها الجميع، وان مشاعرنا لا تلتزم بمواعيد محددة تحدث فيها.
واخيرًا، ربما لا يكمن ثقل الشوق في الغياب نفسه، بل في المعنى الذي تركه ذلك الغياب داخلنا. فالشوق ليس دليلًا على ضعف الانسان، ولا دائمًا علامة على عجزه عن المضي قدمًا، بل قد يكون شاهدًا على أن بعض التجارب تترك أثرًا لا يزول بانتهائها.
لهذا السبب لا يكون السؤال: كيف نتوقف عن الشوق؟ بل كيف نتعلم ان نحمله دون ان يمنعنا من مواصلة الحياة؟


مقال رائع لكن برأيي ينقصة الاجابة على السؤال التالي :
كيف نتعلم ان نحمل الشوق دون ان يمنعنا من مواصلة الحياة؟
كيف نتعلم هذي الاستراتيجية من منطلق الأبحاث النفسية في مدارس علم النفس اكيد فيه طريقة تساعدنا نتعامل مع هذا الشعور الثقيل ..