منذ فترة كنت أتحدث مع أحد الأشخاص عن مفهوم “الاستحقاق العالي”، ذلك المصطلح الذي أصبح متداولًا بصورة واسعة في السنوات الأخيرة. وخلال الحديث أدركت أن المشكلة لا تكمن في المفهوم نفسه، بل في الطريقة التي يُفهم ويُطبق بها.
فكثيرًا ما أرى محتوى يدعو إلى ما يسمى بالاستحقاق العالي، لكن البعض يقدمه بصورة تجعل الشخص يعتقد أن الآخرين مطالبون بالعطاء دون مقابل، وأن الشكر غير ضروري، وأن الاهتمام الذي يتلقاه حق مكتسب لا يستوجب تقديرًا أو امتنانًا.
مؤخرًا ظهر لي مقطع لامرأة تحدثت عن رفضها شكر شخص ساعدها، مبررة ذلك بأنها تعلمت مفهوم “الاستحقاق العالي”، وأن الطرف الآخر كان يؤدي واجبه فحسب، وبالتالي لا حاجة للشكر أو التقدير.
حينها تساءلت: هل هذا فعلًا ما يعنيه الاستحقاق؟
لا أطرح هذه الحادثة بوصفها دليلًا على أن جميع من يتحدثون عن الاستحقاق يتبنون هذا الفهم، لكنها كانت مثالًا دفعني إلى التفكير في الكيفية التي يُفسَّر بها المفهوم أحيانًا بعيدًا عن معناه الأصلي.
ما هو الاستحقاق في الأصل؟
في المحتوى العربي الشائع، يُستخدم مصطلح “الاستحقاق العالي” غالبًا للإشارة إلى معرفة القيمة الذاتية، ورفض المعاملة غير العادلة، وعدم القبول بالعلاقات الغير صحية التي تقوم على الاستغلال أو التقليل من الشأن.
ومن هذه الزاوية، لا أرى في المفهوم مشكلة.
فمن الطبيعي أن يؤمن الإنسان بأنه يستحق الاحترام، وأن يضع حدودًا صحية تحميه، وأن يبحث عن علاقات متوازنة، وأن يرفض أن يُعامل بطريقة تنتقص من كرامته. بل إن هذه الممارسات ترتبط بمفاهيم نفسية صحية مثل تقدير الذات والوعي بالحقوق الشخصية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير معنى المفهوم من احترام الذات إلى شيء مختلف تمامًا.
أين يبدأ سوء الفهم؟
يبدأ عندما يتحول الاستحقاق من معرفة القيمة الذاتية إلى توقع دائم بأن الآخرين مدينون لنا بشيء.
عندما يصبح معناه:
“على الآخرين أن يهتموا” ، “من واجبهم أن يعطوني”
“لا حاجة لأن أشكر أحدًا” ، “من حقي أن أتلقى دون أن أقدم”
في هذه الحالة لم نعد نتحدث عن تقدير الذات، بل عن شعور بالاستحقاق يضع الشخص في مركز العلاقة، ويجعل احتياجاته وتوقعاته أهم من مبدأ التبادل والتقدير المتبادل.
ولعل ما يثير الاهتمام أن كثيرًا من الأشخاص الذين يتبنون هذا الفهم يعتقدون أنهم يمارسون حب الذات أو يحمون كرامتهم، بينما قد يُنظر إليهم أحيانًا من قبل الآخرين على أنهم متطلبون أو غير ممتنين أو يتوقعون الكثير دون مقابل.
ومن المهم أيضًا عدم افتراض أن كل من يتبنى خطاب “الاستحقاق العالي” ينطلق من شعور بالأنانية أو التفوق. فبعض الأشخاص قد يكونون قد مروا بعلاقات غير متوازنة أو تجارب طويلة من الإهمال والاستغلال، ما يدفعهم إلى البحث عن مفاهيم تؤكد حقوقهم الشخصية وقيمتهم الذاتية. وفي هذه الحالات قد يكون الحديث عن الاستحقاق محاولة لاستعادة التوازن النفسي بعد فترة من التنازل المفرط.
غير أن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا التصحيح إلى تطرف معاكس يجعل الإنسان يتوقع من الآخرين ما لا يتوقعه من نفسه.
ماذا يقول علم النفس؟
ما وصفته المرأة في المقطع يشبه ما يعرفه علم النفس ب الاستحقاق النفسي، ويشير إلى اعتقاد الشخص بأنه يستحق معاملة خاصة أو امتيازات معينة أكثر من غيره، حتى عندما لا يوجد مبرر واضح لذلك.
وتوضح الأبحاث أن الاستحقاق النفسي لا يعني بالضرورة امتلاك تقدير ذات صحي أو ثقة بالنفس ناضجة. بل إن الشخص قد يشعر بأنه يستحق اهتمامًا أو معاملة خاصة دون أن يرتبط ذلك بإنجازاته أو جهوده أو بسياق واقعي يدعم هذه التوقعات.
وهنا تظهر نقطة مهمة يغفل عنها كثيرون: الاستحقاق النفسي ليس مرادفًا لاحترام الذات.
فالشخص الذي يحترم ذاته يقول:
“أستحق الاحترام مثل أي إنسان آخر”
أما الشخص الذي يشعر باستحقاق نفسي متضخم فقد يقول:
“أستحق معاملة أفضل من الآخرين”
الفرق بين العبارتين يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة فرق جوهري. الأولى قائمة على المساواة والكرامة الإنسانية، أما الثانية فتعتمد على توقع امتيازات خاصة.
لماذا لا يتعارض الامتنان مع تقدير الذات؟
من أكثر الأفكار التي انتشرت مؤخرًا اعتبار الشكر أو الامتنان نوعًا من التنازل أو التقليل من قيمة الذات.
لكن هذا التصور لا يبدو منطقيًا.
فالإنسان يستطيع أن يعرف قيمته جيدًا، وفي الوقت نفسه يقدّر من دعمه وساعده. ويمكنه أن يضع حدودًا صحية، وفي الوقت نفسه يعترف بفضل الآخرين.
وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الامتنان يرتبط غالبًا بمستويات أعلى من الرفاه النفسي وبعلاقات اجتماعية أكثر توازنًا وجودة، ما يجعله سلوكًا داعمًا للصحة النفسية وليس نقيضًا لتقدير الذات.
لذلك فإن الشكر لا ينتقص من الكرامة، كما أن الاعتراف بجهود الآخرين لا يلغي قيمة الإنسان أو حقوقه.
عندما تتحول المفاهيم النفسية إلى شعارات
تكمن المشكلة في أن بعض المفاهيم النفسية تنتشر على وسائل التواصل بصورة أسرع من انتشار معناها الحقيقي. فتتحول الأفكار المعقدة إلى عبارات قصيرة يسهل تداولها، ثم يبدأ الناس في تطبيقها دون التوقف عند خلفيتها أو حدودها.
وهكذا قد يتحول مفهوم يهدف إلى تعزيز احترام الذات إلى مبرر للأنانية، أو إلى اعتقاد بأن الآخرين ملزمون بتقديم الحب والاهتمام والدعم دون تقدير أو امتنان.
ولا يعني ذلك أن مفهوم الاستحقاق خاطئ، بل يعني أن سوء فهمه قد يقود إلى نتائج تختلف تمامًا عن الغاية التي انتشر من أجلها. لذلك لا تكمن المشكلة في مفهوم الاستحقاق ذاته، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها أحيانًا في بعض المحتويات الرقمية. فعندما يختزل في عبارات من قبيل “لا تشكر أحدًا” أو “شريكك مدين لك بالاهتمام”، يفقد معناه الأصلي ويتحول من دعوة إلى احترام الذات إلى تبرير لسلوك قد يضر بالعلاقات الإنسانية.
ما يجب تذكره
حين يُفهم الاستحقاق بشكل صحيح، يصبح جزءًا من احترام الإنسان لنفسه ووضعه لحدوده دون أن يفقد تقديره لمن حوله. أما حين يُفهم بشكل خاطئ، فإنه يربك العلاقات أكثر مما يحميها.
وفي النهاية، أبسط ما يمكن تذكره هو أن معرفة قيمتك لا تعني أن الآخرين مدينون لك بها، بل تعني أن تعرف كيف تحافظ عليها دون أن تسيء لمن حولك أو لنفسك


أجمل ما قرأت عن ضبط الاستحقاق.. الكرامة مساواة وكرامة إنسانية احترام الذات يثمر سكينة وانسجامًا بينما الاستحقاق المزيف يتغذى على توقع الامتيازات أبدعتِ 👏🏻
بس حبيت أقول ان هذه اول مقاله اقرأها بحياتي تقريباً وأول وحده بهذه التطبيق
كلامج عسل 🤍🤍